"نوستراداموس" : العراف المعجزة

طرائف الأبراج : "نوستراداموس" : العراف المعجزة

ميشيل نوسترادام الشهير باسم "نوستراداموس" أشهر من عرف الطالع في كل العصور، وهو طبيب فرنسي عاش بين فترتي (1503 - 1569) و كان يواجه الوباء والأمراض ويشفي الناس وكانت له وصفات لا يقرها الأطباء واشتهر بين الناس بأنه يعالج الناس روحياً، وأنه ليس صحيحاً أنه كان يشخص الأمراض وإنما كان يلمس المرضى ويعطيهم بعض الماء الدافئ والكثير من الأعشاب. وضاق به الأطباء، وأقبل عليه الناس، وعندما اجتاحت الأوبئة فرنسا جنوباً وشمالاً، كان هو الرجل الذي يخوض الموت ويعطي الأمل ويخفف الأوجاع.
وكانت لديه توجهات أخرى فقد كان يقرأ في الكتب التي تسمى الكتب السوداء أو كتب السحر الأسود أو مخطوطات التنجيم، وكان هذا الاهتمام في سن مبكرة.
ولاحظ الذين حوله أنه يتوقع أشياء عجيبة، ثم تقع!!! وقبل أن يصارح الناس بهذه النبوءات كان يسجلها سراً، ثم ينتظر أن تتحقق؛ وكان الكثير جداً يتحقق بصورة أذهلته هو نفسه!
وفكر في أن يعتزل الطب وأن يتجه نهائياً إلى التنجيم. ومن الغريب أن هذا الرجل الذي توقع أحداثاً رهيبة وقعت في القرن العشرين، لم يتوقع أن تموت زوجته وابنه وابنته معاً!!!! ورغم أن هذا الحادث الرهيب قد هز صورته ووزنه ونبوءاته عند الناس، لكنه استطاع أن يسترد قدرته الخارقة عندما استدعاه الملوك والأمراء ورجال الدين.
و قد كون مجموعة ضخمة من التنبؤات التي تغطي مدة حوالي 450 سنة من توقعات و رؤى نوستردامس لمستقبل العالم ، الا انه يوجد خط عريض واحد تنتظم أغلب نبوئاته على ذلك ، وذلك أن نوستردامس كان فرنسيا من ناحية ، وكان مسيحيا كاثوليكيا من ناحية ثانية ، ولهذا فقد انصب معظم اهتمامه في نبوءاته على فرنسا وعلى الكنيسة الكاثوليكية ومقام البابوية ، وكتعبير عن ذلك فقد اعتبر سنة 1792 بداية لعهد جديد وذلك في رسالته الى الملك الفرنسي هنري الثاني مشيرا بذلك الى أهمية تلك السنة وخطورتها ، وهي سنة اعلان الجمهورية الفرنسية وهي التي تعتبر بداية النهاية لعصر السلطة الكنسية الكاثوليكية والمسيحية بشكل عام في العالم الغربي ، وهي واحدة من نبواءاته التي تحققت وواحدة من النبوءات النادرة جدا التي يذكر فيها تاريخا محددا لحادثة ما ..

الحادثة الثانية التي يذكر لها تاريخا محددا والتي هي امتداد أو تعبير آخر عن نفس الخط المذكور هي ما ذكره في رسالته لولده قيصر مشيرا بها الى الكاتب االفرنسي (جان جاك روسو) حيث يقول له : ( حيث انه بحسب العلامات السماوية فان العصر الذهبي سوف يعود بعد فترة اضطرابات ستقلب كل شئ والتي ستأتي من لحظة كتابتي لهذا بعد 177 سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما والتي ستجلب معها فساد الأفكار و الأخلاق والحروب والمجاعات الطويلة ..) . وقد كتب رسالته هذه في مارس 1555 حسب التاريخ المذكور في ذيلها ، فاذا أضفنا اليها السنوات المذكورة فان التيجة ستكون سنة 1732 وهي السنة التي وصل فيها جان جاك روسو الى باريس ، وروسو هو صاحب نظرية العقد الاجتماعي المعروفة والتي تشكل الى قدر كبير أساس وفلسفة الدولة الأوروبية الحديثة ، كما انه يعتبر ملهم الثورة الفرنسية ، وكتبه هي التي وضعت المنهج التربوي القائم في مدارس الدول الأوروبية الى يومنا هذا ..
آخر التواريخ التي ذكرها نوستردامس للأسف لم تفلح الا في الانقاص من شهرته ، بل ودثرها تقريبا ..
فقد جائت في رباعيته المشهورة ...
في السنة 1999 وسبعة أشهر
من السماء سوف يأتي ملك الرعب العظيم
انع سيعيد الى الحياة ملك ( أونكوموا) العظيم
قبل ذلك وبعده ستسود الحرب كما يشاء لها الحظ ...
وها قد مر شهر يوليو 1999 وخلافا لما توقع الناس جميعهم


 بعض التنبؤات الذي صرح بها العراف نوستراداموس :

يقال أنه حدث في إحدى المرات وهو ما يزال شاباً صغيراً أن رأى أحد الرهبان في الطريق، فركع له قائلاً:
- أهلاً يا صاحب القداسة!
واندهش الناس ولكن هذا الراهب هو الذي أصبح بعد عشرات السنين البابا سكتوس الخامس..

وحدث مرة أخرى أن دُعي نوستراداموس للغذاء فقال لصاحب الدعوة:
"لديك اثنان من الخنازير، أحدهما أبيض والآخر أسود.. وسوف تذبح لنا الخنزير الأبيض، أما الخنزير الأسود فسوف يأكله الذئب!"
وانتهز صاحب البيت هذه المناسبة، وقال للطاهي:
اذبح لنا الخنزير الأسود بسرعة.
وجاء الطعام، وقال نوستراداموس:
بالضبط، إنه الخنزير الأبيض.
ولكن صاحب الدعوة أكد له أن هذا هو الخنزير الأسود؛ لكن نوستراداموس أصر على أنه الأبيض، وجاء الطاهي ليعترف بأن الخنزير الأسود الذي ذبحه تسلل إليه الذئب وخطفه وهرب!

وهذه نبؤة أخرى تخص عالمنا العربي و الإسلامي لنطرحها لكم ...
قال نوستراداموس .. (( من الأرض العربية العظيمة سوف يلد سيد عظيم من شريعة محمد هذا الملك سوف يدخل أوروبا لابساً عمامة زرقاء ، أنه الذي سوف يبعث الأمة العظيمة من الموت لتعيش مرة آخرى ، سوف يكون هو الرعب لكل الناس ، لم يكن أحد أكثر منه رعبا ))
و بالإضافة إلى العشرات من الأحداث التي تنبأ بها في عصره. ولكن الغريب العجيب في أمر هذا الرجل أنه أثار فزع إيطاليا وفرنسا وربما أوروبا كلها في ذلك الوقت، فلم يوجد بيت لم يترك فيه ورقة، وعلى الورقة كل ما سوف يحدث للأسرة من أولها إلى آخرها من أحداث سيئة.
وهذا لا يكلفه أكثر من أن يذهب إلى غرفته ويحملق في كوب من الماء، ويقول أن سطح الماء يتحول بسرعة إلى صفحة متحركة يرى من خلالها ما سيحدث للشخص ..
وعليها تجري الأحداث في كل اتجاه .. وعلى فترات متباعدة .. عشرات السنين أو مئات السنين.
يقول نوستراداموس وهو يصف الذي يراه:
** إن عندي موهبة، هذه الموهبة هي عبارة عن قوة، والقوة تملأ جسمي كله، تهزني بعنف، وأسمع صوتاً، وأرى نوراً .. ولا أعرف إن كنت أنا الذي يرى أو أن أحداً يرى لي ويرى بي .. أو كنت أنا الذي أسمع الأصوات .. أو أن قوة أخرى تسمع لي أو تسمعني .. كل هذا يجري أمام عيني على سطح الماء.
ويقول :  في بعض الأحيان، أرى الصورة الواحدة تتابع متكررة مئات المرات!!
وعندما استدعته ملكة فرنسا كاترين دي مديتشي، وضعت له ثمانية خيول على طول الطريق؛ فوصل إليها من جنوب فرنسا بعد شهر، ولم يكد يصل إلى باريس حتى استدعته. وجاءها الرجل وطلبت إليه أن يرسم طالع أبنائها السبعة فوراً. ومكثت معه أربع ساعات .. وكل ما قاله لها هو أن أولادها سيكونون جميعاً ملوكاً، لكنه لم يشأ أن يصارحها بالكوارث التي سوف تصيبهم جميعاً!!
وقد كان خائفاً أن يتهمه أحد بالكفر أو يتهمه أحد بالاشتغال بالسحر الأسود ، و قد أصدر تقويماً سنوياً غامض العبارة .. وعلى شكل رباعيات تجيء فيها كلمات لاتينية ويونانيةو فرنسية وعبرية .. وكان من عادته أن يجعل التقويم الواحد عبارة عن مائة رباعية .. وقد أعلن أنه يتنبأ بما سوف يحدث حتى نهاية سنة 2000
ترى كيف حصل نوستراداموس على هذه الموهبة الغريبة؟
لقد اعترف بنفسه أنه لم يرفع عينيه عن كتاب قديم اسمه "أسرار مصر" وهذا الكتاب من تأليف يامبليخوس اليوناني، وقد ذكر أنه وجد في هذا الكتاب علماً لم يعرفه أحد، وأن كتاب "أسرار مصر" ليس إلا أسرار الكرة الأرضية وأنه يستطيع عن طريق هذا الكتاب أن يعرف ما الذي سوف يجري على الجبال وفي
الأنهار وفي المدن وفي المعابد كلها!
لنرى الآن بعضاً من أعظم النبؤات التي تنبأ بها هذا الرجل:
في سنة 1649 كان الكاردينال مازاران متسلطاً على القصر الملكي، ولم يستطع خصومه أن ينالوا منه شيئاً، لكنهم اهتدوا إلى كتاب نوستراداموس "النبؤات" وراحوا ينشرون ما توقعه نوستراداموس للكاردينال!!!
وتحطمت أعصاب الكاردينال وراح يجمع الكتاب من كل مكان، ولكن خصومه بدأوا في إرساله إليه على شكل خطابات .. وكانوا أحياناً يضعونه في سلال الفاكهة ويعلقونه على الأشجار، ويضعونه على المقاعد في الكنيسة، وتحققت كل نبوءات الرجل ضد الكاردينال!!! ( أعتقد العامل النفسي كان وراء هذا الشيء ))
ولابد أن الامبراطورة جوزفين هي التي أعطت نسخة من هذه "النبوءات" لزوجها نابوليون، وهي التي أشارت إلى مواقعه العسكرية! وإلى زحفه على روسيا وانسحابه الرهيب منها!! وعندما أشارت إلى موقعة واترلو وانهزامه المؤكد، أمسك الكتاب وأحرقه فوراً!!!
وربما كان هذا الكتاب هو الوحيد الذي أفزع نابليون وأمر بإحراقه فوراً!!!
وعرف نابليون فيما بعد أن هذا الرجل قد تنبأ بقيام الثورة الفرنسية .. وبإعدام زعمائها .. وهو أيضاً الذي تنبأ بنفي نابليون إلى جزيرة سانت هيلانة.
وبعد هزيمة نابليون عاد الناس إلى الكتاب يقلبون فيه، وضاقت العائلات المالكة بهذا الكتاب وأخفوه. بل إن أحد الأمراء أصدر كتاباً مزوراً، وجعل هذا الكتاب بشكل رباعيات، لكن الناس لم تنخدع بهذه الطبعة الزائفة، وعادوا يقتنون الكتاب العجيب للنبؤات الغامضة. وفي خريف 1939 بعد أن أعلنت ألمانيا الحرب على أوروبا واشتعلت نار الحرب العالمية الثانية .. حدثت هذه الواقعة المؤكدة:

كانت زوجة وزير الدعاية جوبلز تتمدد في فراشها، وسحبت من تحت المخدة كتاباً صغيراً، وهزته عله يصحو من النوم، ولكنه كان مرهقاً، فهزته بعنف وفتحت عينيه بالقوة، وأدنت المصباح منه وقالت له: "اقرأ". وأشارت إلى بعض الفقرات في كتاب "النبوءات" لنوستراداموس، وكانت الفقرات التي تتحدث عن هجوم هتلر، وزحف هتلر على روسيا، وعودته مهزوماً!!!!!
وكان هتلر يعتمد على أحد العرافين .. وكانت وزارة الدعاية تستخدم الذين يقرأون الطالع ويكتبونه وينشرونه في الصحف وفي النشرات الدعائية، وبدأت الطائرات الألمانية تلقي بنبوءات
نوستراداموس في كل الأراضي التي هاجمتها ألمانيا .. وخصوصاً في فرنسا، ولكن الكميات الأكبر والأضخم هي التي ألقت بها على الشعب الإنجليزي.
وفي وثائق حرب بريطانيا مع ألمانيا، تكلفت الحكومة البريطانية ربع مليون جنيه لتقاوم نبوءات نوستراداموس، وذلك بأن تنشر نبوءات مضادة لنفس الرجل، ولآخرين من علماء التنجيم وقراء الكف وضاربي الودع وفاتحي المنادل، وكل ذلك ثابت في سجلات الحرب البريطانية!!
بل إن واحداً من كتب المخابرات البريطانية قد روى قصة حرب الأعصاب التي سلطوها على هتلر نفسه عندما حاولوا استخدام ذلك "العراف الخاص" لهتلر! ونجحت المخابرات البريطانية في أن تجعل هذا العراف يتنبأ لهتلر بالفشل في وقت مبكر، وقد غضب عليه هتلر، ثم عاد فاسترضاه!! وكان من بين الحيل التي لجأت لها المخابرات البريطانية: نبوءات هذا الطبيب الفرنسي!!

ومن أعجب نبوءات هذا الرجل: مصرع موسوليني وانتحار هتلر ومقتل الأخوين كينيدي .. وسقوط بيرل هاربور أمام القوات اليابانية .. ومصرع عشرات الملوك والرؤساء. فمثلاً عندما تنبأ بمقتل كينيدي كانت عبارته هكذا: "الرجل العظيم في أعظم دولة تصرعه صاعقة في عز الظهر .. وأخوه بعد ذلك".

وتنبأ أيضاً باحتراق الأسطول الفرنسي في الإسكندرية، فقال: "يغرق الأسطول بالقرب من البحر الأدرياتيكي، ومصر تهتز كلها، والدخان يتصاعد ويحتشد المسلمون".

فقد حدث ذلك عام 1799 عندما وصل نابليون إلى مصر وأرسى سفنه في مياه أبو قير عندما جاء نلسون بأسطوله وأغرق المراكب الفرنسية.
وتوقع حرب 1948 واستيلاء اليهود على أرض فلسطين
فقال "فالدولة الجديدة تحتل أرضاً حول سوريا ويهوديا وفلسطين .. وتنهار القوات البربرية".

القوات البربرية هي القوات غير المسيحية، فقد كان من المألوف في أوروبا أن يوصف كل من ليس أوروبياً بأنه بربري، وبعد ذلك أصبح البربري هو كل من ليس مسيحياً. فالقوات البربرية التي يتحدث عنها هي القوات العربية الإسلامية.

وربما هو الذي تنبأ بما يحدث على صحراء المغرب، فقد جاء على لسان نوستراداموس: "إن القوات البربرية سوف تأخذ أرضاً من اسبانيا، وسوف تسيل الدماء.." أي أن القوات العربية سوف تسترد أرضاً كانت تحتلها اسبانيا!!
 
فمثلاً قبل حرب 1948 انتشر هذا الكتاب في العالم العربي، وظهرت فقرات منه مترجمة في الصحف البريطانية والفرنسية.. وقبل النكسة نشرت الصحف الإسرائيلية -مع الحفاوة الشديدة ... فقرات تؤكد انتصار اليهود وهزيمة العرب! ولد نوستردامس (مايكل دي نوستردامس ) في مقاطعة ( بووفانس) الواقعة جنوب فرنسا ظهيرة يوم 14 كانون اول (ديسمبر) من سنة 1503 و هو مسيحي كاثوليكي , و يقال بأن آباءه و أجداده كانوا على دين اليهودية و أمر يصعب أثباته فقد كان جده لأبيه, و هو تاجر حبوب , متزوجاً من فتاة مسيحية و كذلك فعل ابنه ( والد نوستردامس) إذ تزوج من فتاة مسيحية كاثوليكية و هو الذي يدعون بأنه تحول إلى الديانية النصرانية في سنة 1512 أي عندما بلغ ابنه البكر مايكل دي نوستردامس تسع سنوات من عمره , و قد كان لنوستردامس أربعة إخوه آخرين أكبرهم سناً. و قد أعتنى جده بتثقيفه و تعليمه , فعلمه شيئاً من الرياضيات و علم النجوم إضافة إلى اللغات اللاتينية و اليونانية . و عندما توفي جده عاد الفتى نوستردامس إلى بيت أبويه و استمر هناك في تعليمه . و في سنة 1522 أرسله أبواه إلى كلية ( مونتلبليه)
لدراسة الطب وله من العمر 19 عاماً , و بعد 3 سنوات حصل على البكالوريوس و بدأ في ممارسة الطب , و كان ذلك وقت وباء الطاعون الذي اجتاح فرنسا و خصوصاً جنوبها , و قد كان نوستردامس الطبيب معروفاً بعدم اكتراثه في مواجهة مرضى الطاعون عندما كان غيره يهربون منهم خشية العدوى , و كان قد ابتكر وصفة خاصة لعلاج المصابين بالطاعون أعطته شهرة في قدرته على الشفاء ( و كان قدر اصدر كتاباً في الطب سنة 1552 كان يحتوي على عدد من وصفاته الخاصة ) . و خلال السنوات الأربعة التالية صار ينتقل بين عدد من المدن بين فرنسا و إيطاليا و اطلع في أثناء رحلاته على عدد كبير من الكتب الخاصة بالسحر و التنجيم , عاد بعدها غلى كلية الطب في ( مونتبليه ) لإكمال الدكتواره في سنة 1529 و كان معروفأً عنه في هذه الفترة أن له إتجاهات في العلاج تخالف ما هو متعارف عليه و خصوصاً لإستعمال الحجامة في العلاج . و بعد حصوله على الدكتواره في الطب سنة 1529 إستقر به المقام في مدينة (آجين ).
في فرنسا حيث تزوج هناك من فتاة و جاءه منها ولد و بنت , و تأتي موجة جديدة لوباء الطاعون فتجتاح المنطقة التي هو فيها و ليموت ولداه و زوجته , و حيث لم يكن في قدرته إنقاذهم فقد كان ذلك كارثة عليه و على علمه هناك , و زاد في الطين بلة أن والدي زوجته أقاما عليه دعوة قضائية يطالبانه فيها بأرجاع مهر ابنتهم إليهما , و لم تقف سلسلة مشاكله عند هذا الحد و إنما جاءه أمر من محاكم التفتيش التابعة للسلطة الكنيسة الكاثوليكي’ القائمة آنذاك بالمثول امامها في مدينة (تولو ز) الفرنسية بتهمة الكفر , و هي تهمة خطيرة جداً في ذلك الوقت , و ذلم بسبب ملاحظة قد ابداها قبل ذلك بسنوات عندما وقف أمام أحدهم , و هو صانع تماثيل , و هو يصب تمثالاً من البرونز لمريم العذراء فقال له : (إنك إنما تصنع شياطين ) , و تم رفع التقارير بذلك إلى السلطات الكنيسة التي قررت مواجهته بهذه التهمة و استدعائه لمحاكمته و لكنه لم يمتثل للأمر خشية أن يؤدي به الأمر إلى أدانته و من ثم إلى سجنه أو أعدامه فهرب من مدينته و تنقل متخفياً حتى وصل إلى مدينة (سالون)
 الفرنسية سنة 1544 و تزوج فيها بأرملة ثلاية و جاءه منها عدد من الأودلاد و في هذه المدينة قضى ما تبقى من حياته في دار ما زالت موجودة إلى يومنا هذا . و كان قد أتخذ أعلى غرفة في هذه الدار مقراً لدراسته و اشتغاله بكتب التنجيم و السحر و الباطنية و التي أحرقها فيما بعد . و يعتقد أم من أهم مصادر الهامه كان كتاباً يدعي ( الأسرار المصرية ) و في غرفته هذه ابتدأ في وضع نبوءاته و منذ سنة 1547 و نشرها لأول مرة في سنة 1555 و بشكل غير كامل حيث احتوت على أول ثلاثة قرون (فصول) و نصف الرابع , و انتشر صيته في كل مكان و اتصل خبره بزوجة ملك فرنسا ( كاترين دي مديسي) فأرسلت إليه ليحضر إلى البلاط في باريس و هيأت له الجياد اللازمة لسفرته تلك و التي إستغرقت مدة شهر ( و هي تستغرق عادة مدة شهرين بدون مثل تلك الأعدادت ) و قابلته كما قابله الملك و أنعما عليه بشيء بسيط من المال و مكث عندهم لمدة إسبوعين عاد بعدها إلى مدينته سالون . و كانت له زيارة أخرى فيها المكوث في البلاط الملكي الفرنسي و كان التحقيق جارياً من جانب الكنيسة حول ممارسته للسحر مما جعله يختفي مرة ثانية و يعتزل في داره , و قد عاش بعدها مع مرض مفاصله المعروف بداء النقرس و هو يمارس كشف الطالع لزواره و خصوصاً الاغنياء منهم , و من الملاحظ أن التنجيم قد بلغ ذروة انتشاره ذلك الوقت
و في سنة 1564 تقرر زوجة الملك كاترين أن تقوم بجولة ملكية في أنحاء فرنسا مع عائلتها و قد استمرت جولتها هذه سنتين و كان من جملة محطاتها هي بيت نوستردامس في مدينة سالون حيث زارته في بيته بصحبة ابنهائها و تناول معه الجميع الغذاء
في يوم 2/7/1566 توفي نوستردامس و دفن قائماً في حائط كنيسة في سالون , و أثناء الثورة الفرنسية نبش بعض الجنود قبر نوستردامس و أخرجوا نعشه و لكن رُمته دُفنت مرة ثانية في كنيسة أخرى في سالون ( كنيسة سانت لورن ) حيث لا يزال قبره موجوداً مع رسم له يعلو الضريح

معاني مختلفة في رؤية المستقبل

إننا ككائنات بشرية تعيش أكثر الوقت في المستقبل , حاضرنا غالباً ما ينساق وراء رؤيتنا لمستقبلنا , و تجري الذات الإنسانية بشكل مستمر في سبيل تحقيق أهداف تتصورها لمستقبلها , و كلما كان تصورنا لأهداف المستقبل أوضح و أجلى في تفاصيله و جزئياته , كلما كانت همتنا و عزيمتنا و إصرارنا أقوى كلما كان بالإمكان تحقيق هذه الأهداف المرغوبة و المطلوبة بدرجة أعلى من الإمكانية . كذلك فأننا في خطوات حياتنا المهمة نحاول أن نتعرف على إمكانيات المستقبل و احتمالات ما سيحصل لنا فيما لو اتخذنا هذه الخطوة أو تبنينا هذه السياسة أو تلك , فإن كانت تحفها المخاطر في المستقبل و احتمالات ما سيحصل لنا فيما لو اتخذنا
هذه الخطوة أو تبنينا هذه السياسة أو تلك , فإن كانت إمكانية النجاح و السعادة فيها أخذنا بها و تبنيناها , و يساعدنا على هذا المنهج في حياتنا كبشر هو أن كل ما يجري من حولنا إنما يجري وفق نواميس أو علاقة السبب بالأثر و المقدمة بالنتيجة , مما يعطي الإنسان قدرة فائقة للغاية في السيطرة على الطبيعة و البيئة التي تحيط به بكل أنواعها و التحكم بدرجة التأثير التي يبغيها من هذا السبب أو ذاك .
هذا الأمر إذن يدخل كجزء من تركيبتنا الخاصة كبشر , و نمارسه كلنا و لكن بدرجات تختلف كبراً و صغراً بحسب كبر أو صغر هممنا و عزائمنا . و لكن هناك نوع آخر من الرؤية المستقبلية و هي أن يشاهد أحدهم حوادث ستجري بعد عشرة سنوات أو بعد مائة سنة من ساعة رؤيته , و هي قدرة ثبت وجودها لدى عدد من الناس و بدرجات متفاوتة , و يبدو أنها قريبة من ملكة أخرى أكثر شيوعاً منها و هي ما يعرف بالإستبصار و التي يقال عنها بأنها موجودة لدى كل واحد منا و لكنها إنما تنمو و تتطور دون البقية منهم لعلةٍ غير معروفة .
و الاستبصار هو الإحساس بحوادث تجري بعيداً و لمسافات قد تطول أو تقصر و يتم إدراكها من دون استعمال أعضاء حس معروفة و هي إما أن تكون قد حصلت في اللحظة التي تم بها إدراكها من جانب الشخص المستبصر أو أنها بعد لم تحصل دائماً يتم حصولها في يوم أو يومين أو أكثر من ذلك من ساعة الإحساس بها . و من الشائع تجد بعض الناس ممن يحصل لديهم إحساس مفاجيء أو ومضة معرفة حول أمر يحصل بعيداً عنهم ( مثل حادث أصاب أحد أهلهم أو أصدقائهم ) , و قد يكون هذا الإحساس أو الإدراك الفجائي على هيئة حلم مما يراه النائم أو أثناء حالة تشبه حلم اليقظة أو أن تكون أحساساً بديهياً أولياً .
و هي تشبه بدورها ملكة ( التلباثي )  أو القدرة على الاتصال على البعد أو قل أنهما من معدن واحد و ينبعان من موهبة واحدة , و لكن الفرق بينهما هو و أن التلباثي أو الاتصال على البعد هو عبارة عن انتقال فكرة أو صورة من شخص إلى آخر أو هي قدرة أحدهما على تسلم ما يدور في ذهن الآخر , أما الاستبصار فهو إدراك مباشر لحادثة وقعت في مكان آخر .
و هناك عدد من التجارب التي أجريت منذ سنة 1930 و إلى اليوم و هي تشير إلى أن الاستبصار هو قدرة بشرية موجودة بالفعل . و تشير التجربة إلى أن كلا من الاستبصار و التلباثي هما في الأساس إمكانية واحدة , الأول هو إدراك فوق الحسي لحوادث أو حالات موضوعية و الثاني هو إدراك لحالات فكرية أو نفسية أو تصورية عند الآخرين . و يبدو من هذه التجارب أن هذه القابلية موجودة عند البشر بشكل واسع , و قد اكتشفوا في خصوصها عوامل تقويها إلى جانب عوامل أخرى تضعفها , فمن جملة ما يضعفها هو : الملل , انشغال الذهن و شروده , استعمال المواد المخدرة , الرتابة . كما أن من العوامل التي تؤدي إلى شحذ هذه الطاقة و تقويتها هو : إثابة و مكافأة من يمارسها , التعاون معه , ظروف مختبرية مناسبة .
كما أن من غير المعروف ما هي طبيعة و نوعية الخصائص الشخصية و النفسية التي تصلح أن تكون دليلاُ على من يمتلك هذه القدرة بشكلها النامي المتطور .
و من الواضح أننا نتحدث هنا عن قدرة أو ملكة تختلف تماماً عن مسألة التنبؤ المنطقي و العقلاني لما يمكن أن يأتي به المستقبل في مختلف المجالات العملية منها أو السياسية أو الاجتماعية و التي مارسها المفكرون على مر التاريخ , و قد أشتهر منهم في التاريخ القريب الكاتب الروائي أج . جي . ويلز المتوفى سنة 1946 و الذي كتب عن تصوراته للمستقبل على مدى خمسين عاماً من حياته و توقع فيها بناء الغواصة و المركبة الفضائية و وصول الإنسان إلى القمر و غير ذلك , كما اشتهر منهم الكاتب الروائي جورج أوروِل و خصوصاً في روايته التي أسمها 1984 و التي كتبها سنة 1943 و وضع فيها جملة تصوراته عن مستقبل العالم في الثمانينات , و غيرهما . و كما ذكرنا فقد كثرت الدراسات و البحوث في العقود الأخيرة حول هذا الموضوع و حول تفسير هذه
الظاهرة , و بالإضافة إلى ذلك فإن عدداً ممن امتلك هذه الموهبة و وجد في نفسه هذه القدرة الغريبة على استكشاف المستقبل و رؤيته قد كتب في تجربته هذه و في طبيعة ما يجري له أثناء عملية الرؤية هذه .
و يتلخص ما ذكروه في أن وعي المستبصر و ذاته تنشطر إلى شطرين , شطر يبقى مع جسمه و شطر يتسامى و يعلو , و تتمثل في هذا الشطر الثاني القدرة على الاستبصار و على استكشاف العالم الخارجي بشكل أوسع و أعمق و أقرب إلى معدن المعرفة و هو يحس في نفس الوقت بأن كلا الشطرين يعودان له و أنهما ما زالا من الأنا . و من الحالات التي يعيشها هذا الوعي الثاني العلوي هو أن يكون في حالة يكون فيها الزمان و المكان وحدةً واحدةً مما يجعله يحس بأنه " حر في البعد الزمني للفضاء " بحسب تعبير أحدهم , فهو يحس بأنه قادر على رؤية مساحة زمنية أوسع من الحاضر. و هذا يقودنا إلى نظرية تحاول أن تفهم معنى الزمن و تستكشف طبيعة إدراكنا له فتقول بأن الزمن ليس هو كما يبدو لنا سلسلة متتالية من النقاط , ثانية تتلوها ثانية و دقيقة بعد دقيقة , و إنما هو منبسط على مساحة واسعة يجري فيها الماضي و الحاضر و المستقبل بشكل متوازٍ و إنما هو وعينا الذي ينتقل بين هذه المستويات , إننا نفهم الحاضر على أنه هذه اللحظة التي نكون فيها في وعينا اليقظ على العالم الخارجي و الداخلي , أنه هذه الثانية التي ستصير ماضياً بعد ثانية أخرى من الحاضر. و لكن و حسب هذه النظرية فإن ما نسميه حاضراً سوف ينبسط و يمتد و يتمطى إلى درجة كبيرة أثناء النوم حتى أن مساحته قد تشمل شهوراً أو سنين من الزمن مما هو ماضي و مستقبل و حاضر على السواء , و من هنا صار للأحلام و الرؤى التي يراها النائم دوراً في كشف المستقبل لدى الكثيرين . و بموجب هذه النظرية فإن وعينا على الحاضر و فهمه كنقطة واحدة أو كلحظة واحدة ما هو إلا بسبب تركيزنا لانتباهنا على هذه اللحظة بسبب طبيعة الحياة التي نعيشها و التي تفرض علينا عملية الترشيح هذه بحيث أنها صارت عادة الجهاز العصبي عندنا أن يستبعد كل شيء ما عدا هذه اللحظة التي نكون فبها.
و من الواضح أن هذا كله لا يصلح تفسيراً لهذه الظاهرة و إنما هو تحليل و وصف لها و يبقى أمرها مستغلقاً شأنها في ذلك شأن الفكر و شأن العقل و الحس. فإننا عندما
نقول "إدراك" "فكر" "تقييم" فإننا نتحدث عن أشياء هي موجودة عندنا بالفعل أو هي ملامح من وجودنا كموجودات و لكننا لا نعرف لها ماهيةً و لا نعرف ما هي طبيعتها , الفكر لا يعرف ما هو الفكر و الفهم و لا يفهم ما هو الفهم و الإدراك , و العقل لا يفهم ما هو العقل , إنها أشياء وجودها هو ذات نشاطها و عملها , فإذا أراد الإنسان أن يفهمها وجد أنها قد اختفت بمجرد أن يستدير الفكر إلى نفسه ليدرك طبيعته و ليفهم ذاته, أو لوجد أنه إنما يشرح جثة هامدة بلا حياة, إنها قوى موجودة بالفعل , و نشاطها و عملها هو عين وجودها , و هي في نفس الوقت تأبي الإدراك و الفهم على الإطلاق , فهي من المجاهيل المستغلقة حقاً. ..

كيف توصل نوستردامس إلى نبوءاته؟

ومن كلامه الذي يعنينا في هذا المقام كما لا يخفي هو أن نستمع إلى نوستردامس نفسه و هو يتحدث عن كيفية توصله إلى نبوءاته تلك و
الأسلوب الذي أتبعه في هذا السبيل , و يأتي ذلك على لسانه في أول رباعيتين من كتابه (القرون) إضافة إلى ما قاله لابنه قيصر في رسالته إليه و التي تشكل مقدمة كتابه في النبوءات , و هذه الرسالة هي أغلبها توجيهات له و كأنه كان قد أعده إعداداً مسبقاً لممارسة مثل هذه النشاطات الباطنية . فهو يقول له أولاً إنها نور الهي ينور به بصيرة من يتصدى لهذا الأمر و ثانياً إنها موهبة و لطف الهي و ثالثاً إنها مطالعة و رصد للنجوم و لحركتها , و حساب ذلك و استلهامه .
و يشير من طرف خفي إلى جانب رابع و هو استعمال و ممارسة السحر و العلوم الخفية ( Occult) التي برع بها و طورها الحكماء الأقدمون في مصر و بابل و اليونان و ذلك عندما أخبره بأنه قد أحرق عدداً من الكتب الخاصة بها , و قد بات من المؤكد عند الكثيرين من دارسي هذا الرجل بأنه كان يقتني من تلك الكتب العدد الكثير. و قد كاد أن يصرح باستعماله للسحر عندما قال لابنه بأنه يجب أن يتجنب استعمال السحر المقيت الذي استكره الكتاب المقدس, و هو كلام يحمل معنى ضمني و هو أن من السحر ما هو مطلوب و مباح و جاز في نظره و لكنه خشي من أن تقع هذه العلوم بيد من يسيء استعمالها أو تخلط عنده الأمور و لذلك فإنه أحرق الأخضر و اليابس و تخلص منها .
يقول نوستردامس في رسالته لابنه قيصر :
( قبل كل شيء تجنب الباطل في ذلك السحر المقيت الذي استنكره الكتاب المقدس , و استثن فقط استعمال التنجيم المرخص به , لأنني بواسطة الأخير و بمساعدة الكشف و الوحي الإلهي و الحسابات المستمرة فقد وضعت تنبؤاتي. و خشية أن تدان فلسفة المعارف الخفية هذه و تتهم بسوء فإنني لم أرغب في أن أجعل مضمونها المرعب الرهيب مكشوفاً أو معلوماً. و كذلك فخوفاً من أن تكشف تلك الكتب العديدة التي أُخفيت لقرون عديدة و ما قد يحصل نتيجة قراءتها فإنني قد أحرقتها. أحلتها إلى رماد حتى لا تغري أحداً باستعمال الأعمال السحرية الخفية للبحث عن الصيغة الكاملة لتحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة (Transmutation) أما بخصوص ذلك التميز أو الإدراك الذي يمكن تحصيله بمراقبة النجوم و الكواكب فأحب أن أنبهك إلى التالي: بتحاشي أية تصورات تنبع عن الهوى , فإنك و من خلال الحكم الصائب قد تحصل على بصيرة في رؤية المستقبل إذا التزمت بأسماء الأماكن التي تتناسب مع التشكيلات الكوكبية. و بالإلهام فإن الأماكن و الهيئات سوف تعطي الخصائص الكامنة و أعني بذلك تلك القوة التي بحضورها فإن الماضي و الحاضر و المستقبل يمكن أن تدرك كأبدية و التي بجليها للعيان فإنها تحتوي عليها جميعاً )
و هذا الكلام الأخير يعيد إلى أذهاننا ما سبق و إن ذكرناه عن تجربة بعض المستبصرين المتأخرين ممن حاز تلك الموهبة على رؤية المستقبل (أو الماضي مما لم يطلع عليه) فيما نقلوه من أنهم يصيرون في حالة ينسبط فيها وعيهم على مساحة أوسع من الزمن حتى لتشمل الماضي و الحاضر و المستقبل.
و يقول نوستردامس لأبنه في مكان آخر في رسالته إليه :
(هناك عنصران يكونان عقلية العراف , الأولى هي عندما يملأ الضياء الروحي ذلك الشخص الذي يتنبأ بواسطة علم النجوم فينوره. أما الثاني فإنه يتيح له التنبؤ من خلال الإيحاءات الإلهامية , و التي هي فقط جزء من اللانهائية الإلهية و حيث يأتي هذا العراف المتنبئ ليرى ما قدمته له هذه الطاقة الإلهية و بواسطة عظمة الله و بهذه الموهبة الطبيعية , فيرى بأن هذا النور الذي أنذر به حقيقة , و من مصدر أبدي. و مثل هذا النور أو اللهب الضئيل له فعالية و أثر عظيم و لا يقل وضوحاً عن الطبيعة نفسها).
و هو يفتح كتابه في التنبؤات برباعيتين يرسم فيهما صورة عن نفسه و هو يمارس تلك الطقوس و الشعائر التي تشحذ قدرته تفتح أمامه آفاق النظر في المستقبل. فرباعية الأولى من القرن الأول تقول:
" جالس لوحده ليلاً في مكتب سري.
إنه من نحاس موضوع على حامل ثلاثي الأرجل.

لهب ضئيل يخرج من الفراغ.
و ينجح ذاك الذي يجب أن لا يصدق به عبثاً.

ثم يقول في الرباعية الثانية من القرن الأول:
" الصولجان باليد يوضع في وسط الحامل الثلاثي الأرجل .
بالماء يرش أهداب ثوبه و أقدامه .
صوت,خوف, إنه يرتجف وسط ردائه.
إشراق الهي,الرب جالس في مكان قريب"

هاتان الرباعيتان تصفان طريقة نوستردامس في العرافة و التكهن.إنها أساليب استعملت منذ القرن الرابع الميلادي كما بين قواعدها (لامبلكس Lamblicus) في متابه الأسرار المصرية المذكور آنفاً و الذي نشر في ليون (فرنسا) سنة 1546 و الذي من المؤكد أن نوستردامس كان قد أقتناه و استعمل أساليبه إلى جانب غيره من الكتب التي نص في رسالته لابنه بأن الأجيال كانت تتوارثها خفية و سراً و لقرون من الزمن , و هي التي أحرقها و أحالها إلى رماد.
و في الرباعيتين المذكورتين أعلاه نجد بعض عناصر و مكونات ممارسة السحر. الوقت ليل و نوسترادمس جالس لوحده في غرفة دراسته و أمامه إناء من نحاس فيه ماء و هو موضوع على حامل صغير ثلاثي الأرجل ,و يحدق العراف في الماء حتى يرى الماء و قد تعكر و تضبب و تبدأ صور المستقبل بالظهور. يضع صولجانه (عصاه) في وسط الماء , يبلله و يرش منه الماء على أهداب ثوبه و قدميه , يحس بالخوف من تلك الطاقات التي استثارها في داخله,يسمع صوتاً و يرى إشراقاً نورانياً و يكتب ما يراه إلهاماً و كشفاً.
أعتقد بأنه قد صارت لدينا صورة واضحة عن طبيعة عمل نوستردامس ,فهو عرافة أو كهانه و تنجيم مع ممارسة السحر و غيره مما يعرف بالعلوم الخفية أو السرية (Occult) فمنها ما كان مباحاً مقبولاً لدى الكنيسة الكاثوليكية التي كانت هي المسيطرة على السياسة و على العقول في آن واحد في ذلك الزمان. فالتنجيم كان أمراً عادياً و لم يكن بلاط أحد من الملوك خلواً من منجم يستشيره في أمور حربه أو سلمه, إدارته أو حياته الخاصة, و لكن من هذه العلوم أو الممارسات التي استعملها نوستردامس ما كان محرماً أشد التحريم و يعاقب عليه من يمارسه بالإعدام حرقاً, و ذلك هو ممارسة السحر , و هو ما كان نوستردامس يخشاه أشد الخشية , و لهذا فإنه كتب كتابه بذلك الخليط اللغوي الغريب و نثر تنبؤاته نثراً عشوائياً و بدون تسلسل زمني محدد. و قد صرح بذلك لابنه قيصر و قال له في موضع من رسالته إليه بأنه قد استعمل الابهام و التعمية دون الوضوح و الصراحة لكي يفوت الفرصة على الحكام و المسيطرين فلا يتناولونه بسوء . لقد كان يخاف من أن يتهم بالسحر فيعاقب على ذلك بالإعدام حرقاً بالنار إلى جانب إتلاف نتاجه كتاب القرون. لقد لف أكثر كلامه بالغموض و الإبهام و استعمل الرمز و الألغاز و لم يذكر تواريخ محددة للوقائع التي يذكرها إلا في مواضع نادرة أبرز فيها التاريخ عناية منه للإشارة إلى أهمية و خطورة هذه الواقعة أو هذا الظرف المعين.
من جانب آخر فإنه من الممكن جداً أن يكون نوستردامس قد أطلع على كتب المسلمين (ما وصل إلينا منها و ما لم يصل) من أخبار الملاحم و التي زخرت بالأحاديث النبوية الشريفة التي تخبر عما ستأتي به الأيام في مستقبل الزمان و استنسخ منها ما شاء له المقام . ..

خط عريض في كتاب نوستردامس

إن كتاب (القرون) و إن كان مجموعة ضخمة من التنبؤات التي تغطي مدة حوالي 450 سنة من توقعات و رؤى نوستردامس لمستقبل العالم. إلا أننا نستطيع أن نكتشف فيها خطأ عريضاً أو خيطاً متصلاً ينتظم أغلب نبوءاته تلك , و ذلك أن نوستردامس كان فرنسياً من ناحية و كان مسيحياً كاثوليكياً من ناحية ثانية , ول هذا فقد انصب أكثر اهتمامه في نبواته على فرنسا و على الكنيسة الكاثوليكية و مقام البابوية , و أعتبرها العمود الفقري للحضارة الغربية و مجدها و ركز كثيراً على المناطق التي تمثل الكنيسة الكاثوليكية مثل أسبانيا و إيطاليا , و قد كان هذا المعنى فيما يبدو مستقراً في خلفية ذهنه في رؤاه المستقبلية و يشكل بذلك الخط العريض الذي يبرز أمامك في أغلب ما كتبه , و كتعبير عن ذلك فقد أعتبر سنة 1792 بدايةً لعهد جديد و ذلك في رسالته إلى الملك الفرنسي هنري الثاني مشيراً بذلك إلى أهمية تلك السنة و خطورتها , و هي سنة إعلان الجمهورية الفرنسية و هي التي تعتبر بداية النهاية لعصر السلطة الكنسية الكاثوليكية و المسيحية بشكل عام في العالم الغربي , و هي واحدة من نبوءاته التي تحققت وواحدة من النبوءات النادرة جداً التي يذكر فيها تاريخاً محدداً لحادثة ما, و كما ترى فأنها تدل على عناية خاصة بفرنسا و بالكنيسة
دون غيرهما.
الحادثة الثانية التي يذكر لها تاريخاً محدداً و التي هي امتداد أو تعبير آخر عن نفس الخط المذكور هي ما ذكره في رسالته لولده قيصر مشيراً بها إلى الكاتب الفرنسي (جان جاك روسو) حيث يقول له حيث أنه بحسب العلامات السماوية فإن العصر الذهبي سوف يعود بعد فترة اضطرابات ستقلب كل شيء و التي ستأتي من لحظة كتابتي لهذا بعد 177 سنة و ثلاثة أشهر و أحد عشر يوماً و التي ستجلب معها فساد الأفكار و الأخلاق و الحروب و المجاعات الطويلة....). و قد كتب رسالته هذه في مارس من سنة 1555 حسب التاريخ المذكور في ذيلها, فإذا أضفنا إليها عدد السنوات التي ذكرها فإن النتيجة ستكون 1732 و هي السنة التي وصل فيها جان جاك روسو إلى باريس , و روسو هو صاحب نظرية العقد الاجتماعي المعروفة و التي تشكل إلى قدرٍ كبير أساس و فلسفة نظام الدولة الأوربية الحديثة و قد كان لكتاباته و أفكاره تأثراً واسعاً و عميقاً على دول العالم الغربي في السياسة و الاجتماع و التعليم حتى أن المبادئ و الأفكار التي جاء بها في روايته المعروفة باسم (أميل) كانت هي الأساس في وضع المنهج التربوي القائم في مدارس الدول الأوربية إلى يومنا هذا و صياغة مبادئه , كما أنه يعتبر فيلسوف و ملهم الثورة الفرنسية , و يعتبره نوستردامس أساس الفكر الثوري و الإلحادي. و قد ولد روسو في جنيف سنة 1712 , و عاش طفولة تعيسة , و كتب أهم كتبه التي ألهمت العالم الغربي و هو في سن الخمسين , و توفي سنة 1778 وحيداً فريداً و في أشد حالات الفقر و العوز.
و نوستردامس يتوقع لهذه الاضطرابات و التقلبات أن تسود العالم ابتداءاً من ظهور روسو و مجيء الثورة الفرنسية على مسرح التاريخ و إلى نهاية القرن العشرين حيث تصل التحولات إلى ذروةٍ من الشدة و العنف في النصف الثاني من سنة 1999 ( و هو تاريخ آخر ذكره بالتحديد) و التي أعتبرها هي موعد النهاية الفعلية للكنيسة و للبابوية و للسيطرة الغربية و التي سيأتي بعدها العصر الذهبي الذي جاء ذكره في رسالته إلى ابنه في النص المذكور .
كذلك فإنه رأى بأن تاريخ الحضارة الغربية و النصرانية يرتبط بقوة بتاريخ بني إسرائيل و بفلسطين التي هي مسقط رأس السيد المسيح (ع) و منطلق النصرانية .
و للعالم الإسلامي و العربي أعظم الخطر و أحسم المواقف في تنبؤاته , و قد ورد ذكر المسلمين بسميات مختلفة , تارة باسم أقوامهم و شعوبهم المختلفة و تارة باسم بلدانهم و مناطق تواجدهم المعروفة , فهو يسميهم بالأندلسيين(Moors)
و البرابرة (نسبة إلى ساحل البربر الذي هو ساحل شمال إفريقيا و خصوصاً في منطقة مراكش و تونس و الجزائر), و العرب, و الفرس, الإسماعيليين , و المحمديين , أو يقول فاس و الجزائر و تركيا و قرطاجة و العراق و فلسطين...الخ , حيث جاءت هذه التسميات فيما لا يقل عن (110) رباعية من رباعيات الكتاب أي فيما يزيد على 1/10 من مجموع نبوءاته...

الطبعات القديمة من الكتاب

الطبعات القديمة من كتاب القرون لنوستردامس موجودة في مكتبات المتاحف الأوربية بشكل واسع , و يوجد عدد منها في مكتبة المتحف البريطاني على سبيل المثال. و أقدم نسخة يمكن العثور عليها في المتحف المذكور يعود تاريخ طبعها إلى سنة 1589 و هي مطبوعة في فرنسا و تقع تحت رقم 324/1606 بحسب فهارس مكتبة المتحف. و هناك نسخة أخرى طبعت في فرنسا سنة 1650 تحت رقم 20.de.1481
و نسخة ثالثة طبعت سنة 1668 تحت رقم 2009.de.20
كما توجد هناك أقدم ترجمة للكتاب إلى اللغة الإنكليزية صدرت سنة 1672 و طبعت في لندن رقمها 718.1.16 و قام بترجمتها و التعليق عليها طبيب اسمه ثيوفلس دي غارنسيرز Theophilus de Garencieres
و لعله ما نجد أن كثيراً ممن اعتنى بالكتاب و التعليق عليه هم من الأطباء و قد يكون منشأ ذلك هو طبيعة اشتغال الطبيب في مهنته و ما يتضمنه ذلك من ممارسة مستمرة لتفسير الظواهر و العلامات و محاولات متصلة للتكهن و للتنبؤ بما سوف يحصل سواء أكان ذلك على مستوى سير المرض الطبيعي أو على مستوى أختيار العلاج و ما قد ينتج عن ذلك من تأثيرات مما يجعله يعيش في عالم قريب جداً من عالم نوستردامس و أمثاله ( و لا ننسى أن نوستردامس نفسه كان طبيباً).